عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

141

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثاني والأربعون : في الرفرف الأعلى اعلم أن الرفرف الأعلى : عبارة عن المكانة الإلهية من الموجودات ، ومن الأمور الذاتية التي اقتضتها الألوهية بنفسها ، ثم هي ليست بنوع واحد ، بل أنواع كثيرة ، لكن كلّ نوع منها يسمى رفرفا أعلى ، وكلّ رفرف فهو عبارة عن المكانة الإلهية ، ولو اختلف مقتضاها ، فإنها من حيث شأنها الذاتي ، عين المكانة ، ولا تفضيل في بعضها على بعض ، لأن التفضيل لا يقع إلا في مقتضيات الصفات والأسماء ، وهذه أمور هي ذاتيات الحقّ ، فلا تفاضل بينهما كالكبرياء مثلا والعزّة ، لأن الرفرف عبارة عن كلّ منهما ، فلا يصحّ أن يقال : إن العزّة أفضل من الكبرياء ، ولا يقال : إن الكبرياء أفضل من العزّة ، وكذلك العظمة الذاتية ، فإن كلا من أمثال ذلك عبارة عن مقتضى الذات لنفسها ، للمكانة العليا الإلهية ، وفي قولي للمكانة الإلهية تقييد للاقتضاء الذاتي ، لأن الذات لها في نفسها اقتضاءان : اقتضاء مطلق ، واقتضاء مقيد ؛ فالاقتضاء المطلق : هو ما استحقه لنفسه من غير اعتبار الألوهية لا الرحمانية ولا الربوبية ولا أمثال ذلك ، بل هذه اقتضاءات مطلقة مجرّدة من أن تقتضيها الذات لنوع من أنواع الكمالات فهي كالوجود مثلا والسذاجة والصرافة والأحدية ، وأمثال ذلك مما اقتضته الذات لنفسها ؛ والاقتضاء المقيد : هو ما اقتضته الذات لنفسها ، لكن بنوع من أنواع الكمالات كالإلهية والرحمانية والربوبية ، وكالعزّة والكبرياء والعظمة مثلا للمكانة الإلهية ، وكالعلم والسريان الوجودي ، والإحاطة للمكانة الرحمانية إلى غير ذلك مما يستحقه لذاته لاعتبار إلهي أو رحماني أو رباني أو غير ذلك من أسمائه وأوصافه فافهم . واعلم أن الاقتضاءات المقيدة راجعة أيضا إلى الإطلاق ، لأنه سبحانه وتعالى اقتضى جميع ذلك لذاته ، فالألوهية مقتضى لذاته ، والرحمانية مقتضى لذاته ، وكذلك ما عداهما من المراتب ، وكلّ ما اقتضته مرتبة من المراتب كان مقتضى للذات من غير تقييد ، لأن المرتبة من مقتضيات الذات ، فما اقتضته كان من مقتضيات الذات ، لأنه سبحانه وتعالى يستحقّ هذه الأشياء لا لكمال ولا لنقص ، بل لذاته ، وكمالاته أمور ذاتية ، فكل المقتضيات مقتضيات ذاتية مطلقة ، لكن لما كان ثم أمور تقتضيها

--> ( 1 ) آية : ( 30 ) سورة الأحقاف .